السيد كمال الحيدري

32

شرح كتاب المنطق

ولكن نقول : إنّ هذا الزعم ناشئ عن الغفلة عن معنى ) موجود ( ، فإنّه قد يتّضح للفظ ) موجود ( معنى آخر أوسع من الأوّل . وهو المعنى المشترك الذي يشمله ويشمل معنىً ثانياً ، وهو ما لا يكون الوجود زائداً عليه ، بل كونه موجوداً ، هو بعينه كونه وجوداً ، لا أنّ له وجوداً آخر ، وذلك بأن يكون معنى موجود منتزعاً من صميم ذات الوجود ، لا بإضافة وجود آخر زائد عليه . فإنّه يقال مثلًا : الإنسان موجود . وهو صحيح ، ولكن بإضافة الوجود إلى الإنسان ، ويقال أيضاً : الوجود موجود . وهو صحيح أيضاً ، ولكن بنفسه ، لا بإضافة وجود ثانٍ إليه ، وهو أحقّ بصدق الموجود عليه . كما يقال : الجسم أبيض بإضافة البياض إليه . ويقال : البياض أبيض ، ولكنّه بنفسه لا ببياض آخر ، وصدق الأبيض عليه أولى من صدقه على الجسم الذي صار أبيض بتوسّط إضافة البياض إليه . وعلى هذا يكون المشتقّ منتزعاً من نفس الذات المتّصفة بدلًا من إضافة شيء خارج عنها إليها . فتكون كلمة ) أبيض ( ، وكذلك كلمة ) موجود ( ونحوها ، معناها أعمّ ممّا كان منتزعاً من اتّصاف الذات بالمبدأ الخارج عنها وممّا كان منتزعاً من نفس الذات التي هي نفس المبدأ . فإذا زال الالتباس واتّضح للعقل معنى كلمة ) موجود ( ، لا يتردّد العقل في صحّة حملها على الوجود ، بل يراه أولى في صدق الموجود عليه من غيره ، كما لم يتردّد في صحّة حمل الأبيض على البياض . ولا تحتاج مثل هذه القضية ، وهي ( الوجود موجود ) إلى البرهان ، بل هي من الأوّليات ، وإن بدت غير واضحة للعقل قبل تصوّر معنى موجود ، وصارت من أدقّ المباحث الفلسفية ، ويبتني عليها كثير من مسائل علم الفلسفة الدقيقة .